موقع الصراط ... الموضوع : لماذا التأكيد على المجالس الحسينية-1
 
السبت - 7 / محرم / 1436 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  لماذا التأكيد على المجالس الحسينية-1  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 13 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
قال الإمام الصادق (ع) للفضيل بن يسار : (أتجلسون وتتحدثون؟ قال : نعم .فقال (ع): أما أني أحب تلك المجالس, فأحيوا أمرنا, فان من جلس مجلساً يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب)

وفي حديث آخر أنه (ع) قال لفضيل : (تجلسون وتتحدثون ؟ قال : نعم جعلت فداك . قال : إن تلك المجالس أُحبها, فأحيوا أمرنا يا فضيل فرحم الله من أحيا أمرنا, يا فضيل من ذكرنا, أو ذكرنا عنده, فخرج من عينه مثل جناح الذباب, غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر)
لماذا هذا التأكيد المتواصل من قبل أئمة الهدى (ع) على إقامة مأتم الحسين (ع) بهذه الدرجة؟ حتى رسخ في ضمير الأمة ووجدانها, وتحول إلى شعار خالد من شعائرها التي لا تنفك عنه طيلة أيام السنة, وعلى مختلف المستويات الاجتماعية والعلمية ,وتحملوا من أجل إقامته شتى صنوف الاضطهاد, والمطاردة, والقتل, وسلب الحقوق وبذل الأموال الطائلة ...
أقول : لماذا كل هذا ؟
هل لمجرد التحسيس بفظاعة المأساة ؛ لإثارة العواطف, وإسالة الدموع ؟
أم لأجل الحصول على الثواب العظيم الذي كتبه الله لمن يحضر مجلس العزاء الحسيني ؟
أم لأجل ترسيخ الروح المبدئية في نفوس الشيعة ؟
أم لأجل التوعية الجماهيرية, وتثقيف الناس بالمفاهيم الإسلامية ؟
أم لأجل بقاء حرارة الثورة الإسلامية مستعرة في كل زمان ومكان ؟
والجواب:إن لكل تلك الاحتمالات وجه من الصحة مع تفاوت في درجات التأثير ولكن لابد أن نتساءل هل أن الحسين (ع) وحده الذي يرسخ الروح المبدئية في النفوس دون غيره من الأئمة الطاهرين (ع)؟
والحقيقة أننا إذا أردنا أن نفهم سر هذا التأكيد على إقامة الشعائر الحسينية لابد وأن نفهم, بل يحب أن نعي الخصائص التي تميز بها الحسين عن غيره من الأئمة والأولياء, والصالحين .
ونشير إلى بعض تلك الخصائص باختصار :
تؤكد لنا الروايات الواردة عن السنة والشيعة بأن الحسين (ع) هو ذخيرة الله في أرضه وبه تُحفظ رسالة السماء على طول حركة التاريخ الرسالي, فهو وارث الأنبياء جميعاً, وبتلك الوراثة حفظ رسالتهم جميعاً ؛ ولهذا يمكن أن نسميه (حامي رسالة الأنبياء) وبلا شك أن معنى وراثة الحسين للأنبياء (ع) معنى عميق ودقيق ويحتاج إلى حس مرهف ووعي رسالي عميق .
فليس معنى الوراثة وراثة المال, والجاه, والسمعة ... وإنما المقصود أن الحسين (ع) ورث من الأنبياء أموراً نذكر منها :
الأول : ورث المعاناة التي مر بها جميع الأنبياء (ع) على طول مسار الرسالة وبعبارة أخص: ورث المسؤولية الشرعية في تحمل أعباء الرسالة في أشق مراحلها وأحرج أزماتها ولهذا (ادخره الله سبحانه لوقت سارت فيه الأمة في أعماق الفتن والابتلاء)
الثاني : ورث مسؤولية الحفاظ على خط الأنبياء ,وحفظ بذلك التوحيد الإلهي من التشويه, والتحريف, والاندثار .
الثالث : ورث الحياة الخالدة في نفوس وقلوب وضمائر المؤمنين على طول مدى الحياة الإنسانية إلى يوم القيامة .حين قام بمسؤولية تلك الوارثة على أكمل وجه وأتمه وبذلك طبع بصماته على صفحات القلوب, واصبح نموذجاً إلهيا خالداً أبد الآبدين يقول عبد الله العلايلي : ( والنموذج الإلهي لا يكون إلا واحداً فقط, يجيء مع الشريعة حتى إذا أعطى أثره وإرثه, ترك له نماذج كثيرة في كل وجه ,ومن كل طِيّة يستوون على أنهم نماذج رسوليه لا يتم الأثر الديني الصحيح إلا بوجودهم , فهم في حاجة كل عصر ؛ لأنهم من تمام صلاحه وهدايته . وعلى هذا التصور بنى أربابُ الإشارات الذين استعلوا على الرسوم ملحظهم في الوارث المحمدي . والحاجة إليه في كل جيل ، وأبو عبد الله (ع) سيد الوارثين ما في ذلك ريب فكان في كل عمل من عمل الدنيا والآخرة مثالة بارعة حتى أجمع الحّفاظ والرواة والإخباريون على أنه أعاد سنة المصطفى في كل مظاهره وأشكاله, وساعد بأنه كان أشبه بجده (ص) في لون الشاكلة, ومسحة الخلق , وزادت الأسوة في إبراز الشبة, وإظهار التماثل فكان مجلسه مهوى الأفئدة, ومتراوح الأملاك يشعر الجالس بين يديه أنه ليس في حضرة إنسان من عمل الدنيا وصنيعه الدنيا تمتد أسبابها برهبته وجلاله وروعته في حضرة طفاح بالسكينة كأن الملائكة تروح فيها وتغدوا, وتطيل بها وتقصّر حتى يشيع معناها في الجالسين, فيتصورون كأن في حدودهم حظيرة قُد ُسٍ علياً لبناتها أولئك الجالسون وسرها الناطق ذلكم الإنسان الكامل واسطة العقد )
وهنا لا بد أن نتأمل لماذا خُصِصَ الحسين (ع) من دون بقية الأئمة بأنة وارث الأنبياء ... ؟؟
حتى أصبح الاعتراف والإقرار للحسين بتلك الوارثة غذاء يومياً, أو أسبوعيا لدى الشيعة, يغذون به أرواحهم, ويزكون به نفوسهم من خلال الزيارة الواردة عن أئمة الهدى (ع)؟
(السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله, السلام عليك يا وارث نوح نبي الله, السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله, السلام عليك يا وارث موسى كليم الله, السلام عليك يا وارث عيسى روح الله, السلام عليك يا وارث محمد سيد رسل الله)
ويثار السؤال لماذا خص الله الحسين (ع) بهذه الوراثة ؟ لماذا لم يقل لعلي (ع) وهو أفضل من الحسين وارث الأنبياء ... ؟
والجواب : إن الله ادخر الحسين (ع) منذ أول الخليفة لحفظ رسالته من المسخ والتشويه, والتحريف والاجتثاث .
والدليل على هذا الادخار : إننا نجد في الأحاديث الواردة من طرق السنة والشيعة (أن آدم بكى على الحسين (ع) وان إبراهيم وإسماعيل وموسى وسليمان... مروا بكربلاء, وبكوا على الحسين (ع), ولفت أنظارهم ما يحدث في كربلاء).
وأما رسول الله (ص) فقد روى المؤرخون سنة وشيعة أنه بكى من حين رأى الحسين (ع) وليداً في أول يوم جاء إلى الدنيا يقول بعض المؤرخون: (ولما بشر الرسول الأعظم (ص) بسبطه المبارك خف مسرعاً إلى بيت بضعته فاطمة سلام الله عليها, وهو مثقل الخطا قد ساد عليه الوجوم والحزن فنادى بصوت خافت حزين النبرات: يا أسماء هلمي ابني. فناولته أسماء (الوليد) فاحتضنه النبي, وجعل يوسعه تقبيلاً, وقد انفجر بالبكاء فذهلت أسماء وانبرت تقول: فداك أبي وأمي مما بكاؤك؟!! فأجابها النبي (ص), وقد غامت عيناه بالدموع من ابني هذا !! وملكت الحيرة أهابها فلم تدرك معنى هذه الظاهرة ومغزاها فانطلقت, تقول: (إنه ولد الساعة). فأجابها الرسول (ص) بصوت متقطع النبرات حزنا وأسى قائلاً: تقتله الفئة الباغية من بعدي ، لا أنالهم الله شفاعتي ...
ثم نهض، وهو مثقل بالهم وأسر إلى أسماء قائلا : لا تخبري فاطمة ، فإنها حديثه عهد بالولادة ... )
وفي رواية أخرى إنه دفعه إلى صفية بنت عبد المطلب وهو يقول: (لعن الله قوماً هم قاتلوك يا بُني ّ- قالها ثلاثاً - قالت : فداك أبي, وأمي ومن يقتله؟! قال: تقتله الفئة الباغية من بني أمية . وهكذا نجد أن رسول الله (ص) يظهر اهتمامه بالحسين (ع) ويبدي لوعته, وحبه ويشير إلى ذلك بضمه إلى صدره وهو جالس: وحمله في حالة الصلاة, وهو يخطب على المنبر ينزل ويتناول الحسين, ويشير إلى مأساته ويخبر بقتله فقد روت أم سلمة قالت : كان رسول الله جالساً ذات يوم في بيتي, قال لا يدخل عليَّ أحد فانتظرت, فدخل الحسين (ع) فسمعت نشيجَ رسول الله (ص) يبكي, فاطلعت فإذا حسين في حجره, والنبي يمسح جبينه, وهو يبكي فقلت والله ما علمت حين دخل فقال : إن جبريل كان معنا في البيت قال : أفتحبه قلت: أما في الدنيا فنعم ,قال إن أُمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء, فتناول جبريل من تربتها فأراها النبي (ص) فلما أحيط بالحسين حين قتل قال ما اسم هذه الأرض, قالوا كربلاء, فقال صدق الله ورسوله كرب وبلاء )
ومثل هذا صنع أمير المؤمنين علي (ع) عندما مر بصفين يقول ابن عباس: (كنت مع أمير المؤمنين (ع) في خرجته إلى صفين فلما نزل بنينوى وهو بشط الفرات قال بأعلى صوته : يا ابن عباس أتعرف هذا الموضع؟ قلت لـه : ما اعرفه يا أمير المؤمنين فقال (ع) : لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتى تبكى كبكائي, قال فبكى طويلاً حتى أخضلت لحيته, وسالت الدموع على صدره وبكينا معاً وهو يقول: أوّه أوّه مالي ولآل أبي سفيان؟ مالي ولآل حرب حزب الشيطان؟ وأولياء الكفر؟ صبراً يا أبا عبد الله لقيَّ أبوك مثل الذي تلقى منهم)
(وعن شيان بن محرم ,وكان عثمانياً, قال أنى لمع علي رضي الله عنه , إذ أتى كربلاء, فقال يُقتل بهذا الموضع شهيد ليس مثله شهداء إلا شهداء بدر, فقلت بعض كذباته !!! وثَم رِجْلُ حمار ميت فقلت لغلامي خذ رِجلَ هذا الحمار فأوتدّها في مقعده وغيّبها فضرب الدهر ضربة فلما قتل الحسين بن علي انطلقت ومعي أصحابي فإذا جثة الحسين بن علي على رِجل ذلك الحمار, وإذا أصحابه ربضة حوله وقال أبو بكر الهيثمي رواه الطبراني)
ونحن هنا نتسأل : هل أن بكاء النبي, وتفجعه على قتل الحسين (ع) وهو بعد طفل رضيع. وبكاء أمير المؤمنين (ع) كان مجرد عاطفة أبويه, وشفقة على الحسين (ع) ورحمة لـه؟ أم كان جزعاً منهما - والعياذ بالله - ألم يعلموا أن جميع أوصياؤهم سيعذبون ويقتلون ؟ فلماذا هذا التواصل في البكاء, والندب, والتذكير, والتأكيد المستمر على محبته ونصرته إلى حد يلفت النظر, ويثير التساؤل, ويدلل على أهمية الحدث في مستقبل الدعوة الإسلامية .
والحقيقة الناصعة أن رسول الله (ص) وعلياً (ع) لا يمكن أن يمسهما الجزع, ولا تحكمها العاطفة الأبوية, وإنما الأمر أكبر من ذلك واعمق ؛لأن النبي (ص) الذي لا ينطق عن الهوى يعلم علماً يقينياً أن حياة دينه مرتبطة بشهادة ولده الحسين (ع) فأراد أن يؤكد ذلك لأمته ؛ ليشدها بالحسين (ع), ويربطها بحركته على طول خط التاريخ البشري إلى يوم القيامة ؛ لتبقى شهادته زلزالاً يهز عروش الظالمين إلى الأبد, ولعل هذا مدلول الحديث الشريف المشهور (حسين مني وأنا من حسين) و (الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة).

 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com